محمد عبد الله دراز

58

دستور الأخلاق في القرآن

أن نذكر هنا أنّ التّغييرات الاجتماعية ، والحضارية الكبرى ، في التّأريخ ، قد قام بها أناس مؤمنون باللّه ، ملتزمون بالفضائل السّماوية ، وخير الأمثلة على ذلك ميلاد مجتمع الحضارة الإسلامية . وقد يرى آخرون أنّ المشرع لا ينفرد وحده بوضع التّشريعات الّتي يحتاج إليها المجتمع ، بل يشاركه المجرم في سنن هذه التّشريعات ، حين يحاول إخفاء معالم جريمته باستغلال صمت القانون عن بعض الحالات ، أو انتهاز الثّغرات الّتي تورط فيها ، نتيجة التّضارب بين القوانين ، أو نتيجة سوء التّفسير ، فيكون ارتكابه الجريمة بمثابة أمر منه للمشرع أن يتدارك نقص ما وضع من قانون . ومع ذلك فإنّ الانحراف هو الانحراف ، والفساد هو الفساد ، لا يتغير وصفه تحت أي شعار ، وفي ضوء أية فلسفة ( تبريرية ) ؛ لأنّه يشير إلى وجود اختلال أخلاقي يحمل في طياته نذير الشّر للأمّة ، ونظمها . وفي غيبة المنهاج الأخلاقي يمكن أن نتصور حدوث أي شيء . يمكن مثلا أن تشيع أمثال شعبية تلخص بعض المواقف ، وتصدر حكما بأنّ ( حاميها حراميها ) ! ! ويمكن مثلا أن ترى السّلطة تبعا لبعض وجهات النّظر أنّ وجود المجرمين ظاهرة مرضية ، تحتاج إلى أطباء يمارسون مهمة تدليل الشّواذ ، والمنحرفين ، لا إلى تشريع حازم . ويمكن أن نجد في كتابنا من ينظر إلى الاستقامة في سلوك على أنّها انحراف تجب مقاومته ، وقد حدث فعلا أن تصدت إحدى الصّحفيات لبنات المدارس